علم الميتافيرس.. ماذا يحمل لنا المستقبل؟

4

“لا حدود للواقع سوى خيالك.. يمكنك فعل ما تريد والظهور بالشكل الذي تريد.. يمكنك الذهاب إلى أي مكان، دون أن تغادر مكانك..”، وردت هذه العبارات على لسان البطل ويد واتس، في وصفه للواحة الافتراضية في رواية الخيال العلمي “ريدي بلاير وان” (Ready Player One) للمؤلف الأميركي إرنست كلاين، والتي حولها ستيفن سبيلبرغ إلى فيلم عام 2018.

تدور أحداث الفيلم عام 2045، حول مسابقة تجري في عالم افتراضي (الواحة)، يتحرك فيه الأبطال عبر نظارات الواقع الافتراضي. ويرسم هذا الفيلم صورة شبيهة بعالم الميتافيرس (Metaverse) الذي يجري الإعداد له اليوم.

انتشر الحديث عن الميتافيرس بشكل واسع مؤخرا، ويرى فيه البعض نسخة ثلاثية الأبعاد من الويب، معالمها التفصيلية لا تزال غامضة. يدمج الميتافيرس كيانات من العالم الواقعي عبر توائمها الرقمية (Digital twins)، في عوالم رقمية ثلاثية الأبعاد باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والشخصيات الرمزية (أفاتار)، وربما ينضم الهولوغرام إليها مستقبلاً.

والميتافيرس بشكل عام هو مكان افتراضي نعمل فيه ونتعلم ونرفه عن أنفسنا ونكسب الأموال وننفقها، ويتفق معظم خبراء التكنولوجيا على أنه سيغير حياتنا جذريا. فالميتافيرس كما يقول ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت (Microsoft) “لن يغير الطريقة التي نرى بها العالم فقط، ولكن كيفية مشاركتنا فيه أيضا، من المصنع إلى غرفة الاجتماعات”.

زخم الميتافيرس

توظف شركة “ميتا” (Meta) بقيادة مارك زوكربيرغ حاليا نحو 10 آلاف شخص في مشروع الميتافيرس وخصصت 10 مليارات دولار لإنفاقها هذا العام وحده على هذا المشروع. وتولي أيضا شركات عالمية كبرى مثل أمازون وآبل وغوغل ومايكروسوفت ونفيديا، اهتماما غير مسبوق في التحضير للميتافيرس، فتعيد تنظيمها الداخلي وكتابة أوصاف الوظائف المناسبة لحقبة الميتافيرس، وتستعد لإطلاق منتجات بمليارات الدولارات ملائمة لهذه الحقبة.

وتقدر شركة ماكنزي للاستشارات الإدارية حجم الاستثمارات المرتبطة بالميتافيرس خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من هذا العام بنحو 120 مليار دولار.

الميتافيرس والنشاطات الاجتماعية

تعد لعبة فورتنايت (Fortnite) من الألعاب الأكثر نجاحا خلال العقد الماضي حيث بلغ عدد المسجلين فيها 350 مليون عام 2020. وبدأ مطورو هذه اللعبة منذ سنوات بالعمل على إدماج أفكار الميتافيرس ضمن عوالمها، فأصبح بإمكان مستخدميها تنظيم حفلات افتراضية عامة أو خاصة مع الأصدقاء بل وتكوين صداقات جديدة في هذا العالم الافتراضي.

وقبل بضع سنوات أطلق مطورو لعبة فورتنايت سلسلة بعنوان موجة الصوت (Sound wave). وفي أبريل/نيسان 2020، أقام الفنان الموسيقي ترافيس سكوت حفلا افتراضيا ضمن اللعبة، شاهده 12.3 مليون شخص.

تضم سلسلة “موجة الصوت” الافتراضية مطربين من مختلف أنحاء العالم، شارك في إحدى حلقاتها المطرب المصري محمد حماقي باستعراض موسيقي يتضمن أغنية “ليلة عمر”.

وفي شهر أبريل/نيسان الماضي، أعلنت مجموعة سوني اليابانية والمجموعة الأم لشركة ليغو الدانماركية، عن استثمار ملياري دولار في الشركة المطورة للعبة فورتنايت للمساهمة في تطوير عالم الميتافيرس ضمن هذه اللعبة، الموجه ليس فقط للأطفال بل وللنشاطات الاجتماعية عموما، ما رفع القيمة السوقية للشركة إلى 31.5 مليار دولار.

الميتافيرس والتجارة الإلكترونية

سيغير الميتافيرس المواقع الإلكترونية لمبيعات التجزئة من وضعها الراهن كصفحات ويب إلى مراكز تسوق افتراضية ثلاثية الأبعاد، فعند عبورك بوابة أحد هذه المراكز بصورتك الفعلية أو الرمزية (أفاتار) التي تختارها، يستقبلك موظف المبيعات، ويرشدك إلى جناح السلع التي ترغب في شرائها، ويوصي لك بالسلعة المناسبة إذا طلبت نصحه.

ولا يقتصر الأمر على شراء سلع مادية يجب تسليمها لك في العالم الواقعي، بل يمكنك شراء برامج وأفلام، وصور رقمية أصيلة محمية بتقنية الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT) يتم تسليمها لك عبر الإنترنت. ويتيح لك المتجر الإلكتروني اختيار طريقة الدفع بالبطاقات المصرفية وربما بإحدى العملات المشفرة.

الميتافيرس والمؤتمرات الافتراضية

يتوقع أن يجري تصميم وتنفيذ العديد من الاجتماعات والمؤتمرات المستقبلية بتقنيات الميتافيرس، حيث يلتقي ممثلو الشركات معا بأشكالهم الفعلية أو الرمزية (أفاتار) في قاعات افتراضية. وربما يدعم استخدام تقنية الهولوغرام مستقبلا مؤتمرات الميتافيرس، ما يتيح الاستغناء عن نظارات الواقع الافتراضي.

الميتافيرس والتصميم التشاركي

تتيح تقنيات الميتافيرس تصميم المنتجات بطرق مبتكرة. ولنفترض أن شركة سيارات تخطط لتصنيع نموذج جديد لسيارة، فعند اللجوء لتقنيات الميتافيرس تسمح لنا بمشاهدة كيفية تفاعل الناس مع التصميم المقترح وردود أفعالهم ضمن عالم افتراضي مشابه للعالم الواقعي، ما يسمح بتعديل التصميم بما يلائم حاجات الناس. ويوفر الميتافيرس أيضا فرصا تسويقية كبيرة لتصميم المسابقات والعروض الترويجية ما يرفع مستوى وعي الجمهور بالعلامات التجارية لتلك الشركات.

الميتافيرس والحكومات

أعلنت العاصمة الكورية الجنوبية سول في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أنها ستكون أول مدينة رئيسية في العالم تتبنى منصة ميتافيرس. ويفترض أن تقدِّم هذه المنصة شكلا جديدا للخدمات الحكومية بمجالاتها المختلفة باستخدام التكنولوجيا.

وعلى مدار 5 سنوات، ستعمل سلطات المدينة على إنشاء منظومة افتراضية كاملة تذلل الكثير من التحديات وترفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والزوار.

ويتضمن هذا المخطط الرئيسي 20 مهمة ترويجية موزعة على 7 مجالات، وهي الاقتصاد والتعليم والثقافة والسياحة والاتصالات والتنمية الحضرية والإدارة والبنى التحتية. وتعتبر المنصة مشروعا عالي الأداء يمثل منظومة موازية لمدينة سول، إلا أنّها قائمة بالكامل على الواقع الافتراضي والمعزز، وتضم إدارة البلدية للمدينة بمجالاتها السبعة التي حددتها الحكومة.

وسيشمل مشروع “الميتافيرس” لمدينة سول صورا رمزية للموظفين الحكوميين (أفاتار)، الذين سيتولون تقديم الاستشارات وإنجاز المعاملات وإنهاء الإجراءات المدنية، وهي خدمات تكون في العادة متاحة فقط عبر مركز الخدمة المدنية الواقع في المبنى المركزي لحكومة سول. ولزيادة كفاءة الموظفين، تعمل الحكومة المحلية على توسيع تطبيق النظام الأساسي ليشمل مجالات الإدارة البلدية كافة.

الميتافيرس ومراكز التدريب

يتيح الميتافيرس سيناريوهات تدريب يصعب تنفيذها تقليديا إلا بتكلفة مالية عالية جدا، حيث يتحرك المتدربون في عالم الميتافيرس الافتراضي بأجسادهم الكاملة، تماما كما في الحياة الواقعية. ويوفر التدريب عبر الميتافيرس نفقات استخدام المعدات والمواد الاستهلاكية والسفر، ما يتيح الاستخدام الأمثل لميزانيات التدريب المتاحة. ويوفر أيضا تسجيل جميع سيناريوهات التدريب بالصوت والصورة، وإعادة تشغيلها كلما تطلب الأمر ذلك.

الميتافيرس والذكاء الاصطناعي

يوسع الذكاء الاصطناعي عالم الميتافيرس من خلال أتمتة النشاطات التجارية والتعليمية والترفيهية، أكثر من أي تقنية أخرى. وتتيح روبوتات المحادثة (Chatbot) المعززة بمعالجة اللغة الطبيعية إمكانية فهم الكلمات والصور ومقاطع الفيديو والنصوص والرد على المتحاورين وفقا لذلك الفهم وبشكل مستقل عن اللغة التي يتخاطبون بها، ولكن تحقيق ذلك يتطلب كمية كبيرة من البيانات اللازمة للتدريب.

وسوف يعزز الذكاء الاصطناعي عالم الميتافيرس بإنشائه الصور ثلاثية الأبعاد والرسوم المتحركة والقصص والمقالات والأعمال الموسيقية ضمن هذا العالم الرقمي.

مستقبل الميتافيرس

توقعت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة غارتنر للأبحاث، أن يمضي نحو ربع مستخدمي الإنترنت ساعة واحدة يوميا على الأقل في العمل والتسوق والتعلم والنشاطات الاجتماعية والترفيهية ضمن فضاء الميتافيرس الرقمي بحلول عام 2026.

وتوقعت الدراسة أيضا أن تشارك 30% من المؤسسات بمنتجاتها وخدماتها حول العالم في فضاء الميتافيرس، نظرا لفرص التواصل والتعاون التي يوفرها على مختلف الأصعدة، وتأثير ذلك على كيفية إنجاز الأعمال، حيث لن تحتاج المؤسسات إلى إنشاء بنية تحتية خاصة بها للقيام بأعمالها، نظرا لتوفير الميتافيرس إمكانية العمل في مكاتب افتراضية.

ويبشر عالم الميتافيرس بإنجازات مبتكرة في كافة مجالات الحياة، لكن هل ستحد ضرورة استخدام نظارات الواقع الافتراضي من انتشاره؟ وهل سيتم دعم بعض مجالات الميتافيرس كالاجتماعات الافتراضية مستقبلا بتقنيات غرفة “الهولوديك” الهولوغرامية التي قدمها فيلم “حرب النجوم”، والتي لا تحتاج لاستخدام نظارات الواقع الافتراضي للمشاركة في واقع افتراضي؟

هذا ما يراه مارك زوكربيرغ الذي يقول “في المستقبل، بدلا من الاتصال بي عبر مكالمة هاتفية، ستكون قادرا على الجلوس كصورة هولوغرامية ثلاثية الأبعاد على أريكتي، أو سأجلس كصورة هولوغرامية ثلاثية الأبعاد على أريكتك، وستشعر بالفعل كما لو كنا في المكان ذاته، حتى لو كنا في أماكن مختلفة أو على بُعد مئات الأميال”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.